هناك اتجاه دائم نحو فهم الجسد: نحو كشفه كشكل وتعريته كمضمون“أجل تعريته، كأنه كائن آخر غني بالغموض والاستفهام. فحين يكون السعي من أجل إشباع غاية الكشف، تكون هناك نتائج جمالية متجددة الحضور “ نتائج تظل صدمة الاندهاش باكتسابها دائمة بدليل التعطش للاستزادة من مصدرها، لكن هل يقتصر هذا الكشف علي الجسد الإنساني بشكل خاص ككيان متفرد؟ وماذا عن جسد الحياة كمجمل لكل ما يمكن اكتشافه من جماليات جسدية أخري: هل تعادل في نتائجها اندهاشاتنا بخفايا الجسد الإنساني؟
فلسفة الجسد
اعتبر الجسد في الفكر المعاصر أحد الوسائل الأساسية لتعبير الذات عن تخارجها، إذ أنه: عن طريق جسدي أفهم الغير، مثلما عن طريق جسدي أيضا أدرك الأشياء.
فالجسد هو مايجعل الذات ذاتا ومو وعا في الوقت نفسه، كما أنه سيعير أداة الأنا في فرض أناها وتصوراتها في الخارج، بل وتغير شروط واقعها وأنساقه المختلفة لتستطيع مواجهة اشكالياتها المختلفة، من هنا ترتبط تعبيرية الجسد البشري بسلوك هذا الجسد نفسه وحركاته، ووظائفه، وبينهما وبين الجنسية واللغة فهو إذن موطن المعني ومكان ولادته، كما أنه أداة الدلالة التي تخرج الذات من ذاتها وتضعها في عالم بين ذاتي تصبح فبه علاقة ورمزا (لغويا، فنيا،…… الخ) لوجودهما الخاص.، لهذا ظل الجسد يشكل عنصرا أساسيا في الفلسفة الفنومنولوحية، فنري موريس ميرلوبونتي (1908_ 1961 م) يتجاوز الكوجيتو الديكارتي الذي حصر الوجود الذاتي في الفكر إلي كوجيتو وجودي يقدم لنا من قبل دافع وجودنا الفعلي في العالم بين الأشياء والآخرين كعالم نحياه ونعيشه، ويعتبرميرلوبونتي أن أجسادنا ليست مستقلة عنا، بل هي وسائلنا التي نعبر بها عن أنفسنا بشكل طبيعي، ويستعير عبارة مارسيل الشهيرة: أنا جسدي، وبما أن أجسادنا تحيلنا بشكل دائم إلي العالم والآخرين، فإن خبرة أجسادنا وخبرة جسد الآخر هي ذاتها جوانب لوجود واحد، فمن هنا حيث نقول أننا نري الآخر، في الحقيقة يحدث غالبا أننا نجعل أجسادنا موضوعا والآخر هو الأفق أو الجانب الآخر لتلك الخبرة، وهكذا نتكلم مع الآخر رغم أننا لا نتعامل إلا مع أنفسنا، ويفرق ميرلوبونتي بين الأجسام الطبيعية وجسم الإنسان، هذا الجسد الذاتي الذي يطلق عليه الفنومنولوجي، ومن أجل فهم هذه الخبرة الفنومنولوجية كما حددهما فيلسوفنا، والتي تعني لديه بداية الجوهر،.
وتعود كل المشاكل حسبما تري الفنومنولوجيا إلي تعريف الجوهر : مثل جوهر الإدراك الحسي، وجوهر الوعي…. الخ إلا أن في الوجود ولا تعتقد أننا نستطيع فهم الانسان والعالم بطريقة أخري لا تبدأ من حقيقتها، وهي أيضا فلسفة متعالية تعلق الحكم علي تأكيدات الموقف الطبيعي من أجل أن تفهمهما، كما أنها أيضا فلسفة يظل العالم بالنسبة لهما موجودا من قبل دائما، قبل التأمل كحضور غير قابل للتحويل، حيث يكرس كل جهد لإعادة إيجاد هذا الاتصال الساذج مع العالم لإعطائه أخيرا وضعا فلسفيا، إنه طموح فلسفة تود أن تصير من ¢ العلوم الدقيقة، إنهما أيضا نتيجة للمكان والزمان… والعالم المعاش، إنها محاولة لوصف مباشر لخبراتنا كما هي دون أي اعتبار لنشأتها السيكولوجية، والتفسيرات العلية التي يمكن أن يمدنا بها العالم والمؤرخ وعالم الاجتماع، من هنا كان الاهتمام الشديد بالجسد الإنساني كتعبير عن اهتمام الفنومنولوجيا بتلك الحياة الواقعية التي نحياها في العالم من خلال أجسادنا، ومن خلال تلك العلاقة بين خبرات أجسادنا وخبرات الأجساد الأخرى.
فحين يفاجئ الجسد ذاته من الخارج في أثناء ممارسته لوظيفة المعرفة، هو بذلك يحاول أن يلمس نفسه لمسا، لأنه يرسم نوعا من التأمل ¢ وسيكون هذا كافيا للتمييز بين الأشياء التي نستطيع القول أنها تلمس أجسادنا عندما تكون عديمة الحركة، ولايفاجيء الجسد ذاته في وظيفته الإكتشافية، ومع هذا فالجسد موضوع عاطفي، بينما الأشياء الخارجية هي ما يتمثل لنا فقط.
ويري ميرلوبونتي أنه اذا كان علم النفس الكلاسيكي قد قام بتحليل دوام الجسد الشخصي لاستطاع هذا أن يقوده إلي الجسد، ليس باعتباره موضوعا للعالم، ولكن وسيلة للاتصال به، بعالم ليس محصلة لموضوعات محددة ولكن كأفق لخبراتنا دون توقف أمام فكرة قاطعة، ويستعين ميرلوبونتي بجدل السيد والعبد عند هيجل ليوضح علاقة الجانب الجنسي كأحد أعراض الجانب الوجودي دون أن يهمل الجانب الميتافيزيقي _ القول : لدي جسدا هو اذن طريقة للقول بأنه يمكنني أن أكون مرئيا كذات وأن الآخر يمكنه أن يكون سيدي أوعبدي، بشكل يجعل الحياء وعدم الحياء يعبران عن جدلية تعدد الوعي وأن لديهما معني ميتافيزيقيا.
الجسد المشرح
ولعل القرن الحادي والعشرين هو القرن الذي سيحتل فيه الجسد في الدراسات الإنسانية اهتماما كبيرا، وذلك بعد إدراك المدارس الفكرية المختلفة لمدي تغييبه في العصور الماضية، ولعل ظهور جمعيات حقوق الإنسان، واهتمام المنظمات الدولية بأمره، يبرهن علي مدي ما حظي به الجسد الإنساني من رد الاعتبار خاصة في ظل ممارسات الحداثة الغربية أخيرا، والتي أحالته إلي كم مهمل في إطار فوضي الكونية و
























أموات هذه الليلة يعبرون